التخطي إلى المحتوى

يقدم لكم اليوم موقع لحظات المتميز هذا الموضوع. عن الحكمة فى تكرار القصص فى القراءن الكريم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد: فالقرآن العظيم مشتمل على أروع أنواع البلاغة وأقوى تحديات الإعجاز ، وأنفع أساليب البيان. وتكرار القصة الواحدة في مواضع متعددة من هذا القبيل.للمزيد زورو موقعنا لحظات.

الحكمة من تكرار القصص في القرآن

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد: فالقرآن العظيم مشتمل على أروع أنواع البلاغة وأقوى تحديات الإعجاز ،
وأنفع أساليب البيان. وتكرار القصة الواحدة في مواضع متعددة من هذا القبيل فأما من ناحية البلاغة فإبراز المعنى الواحد في صور متعددة وأساليب متنوعة وتفنن شيق وألفاظ مختلفة رفيعة غاية في البلاغة.
وأما من ناحية الإعجاز فإيراد المضمون الواحد في صور متعددة مع عجز العرب عن الإتيان بصورة واحدة منها أبلغ في التحدي. علماً بأن العرب في ذلك الوقت وصلوا إلى قمة التفنن في البلاغة وحازوا
قصب السبق في الفصاحة وملأوا الدنيا نثراً ونظماً. وأما من ناحية البيان فتكرار القصة الواحدة يلفت الانتباه إليها ويشعر بالاهتمام بها. ويُمكَّن الاعتبار بها في النفس ويرسخها فيها على أساس أن
ما تكرر تقرر. ومن الحكم أيضا لتكرار القصة الواحدة في سور متعددة تناسب كل سياق مع السورة التي ورد فيها من حيث الطول والقصر والإطناب والإيجاز إلى غير ذلك من الحكم الكثيرة الجليلة. والله تعالى أعلم.

القرآن الكريم

كتاب الله تعالى هو ليس كباقي الكتب، فهو كلام الله عزّ وجل، وإن كان تعالى هو من أنزل كتابه هذا على الأرض فقد خصّه بعدّة مزايا، ومن أهمّها: الدقّة المطلقة،
ومن هذا المنطلق نستطيع أن نقول مباشرةً بأنّ كتاب الله تعالى لا يحتوي على ترادف في الكلام، فإن أردنا دراسة القصص القرآني يجب أن ننطلق من منطلق أنّه لا يوجد تكرار في القصص القرآني؛
لأنّ الحرف الواحد بين آيتين متشابهتين بالكلمات قد يجعل هذه الآية تؤدّي معنىً مختلفاً كليّاً عن المعنى الّذي قد تفيده الآية الأخرى الّتي قد تبدو أنّها مشابهة لها، ولكن هذا المعنى الجديد يحتاج إلى التأمّل الكبير جدّاً في الآيات القرآنيّة،
وفي السياق الّذي تجيء كلّ آيةٍ فيه؛ إذ يعتبر السياق وسيلة هامّة من وسائل الوصول إلى عمقٍ جديد من أعماق الآية لم يُتوصّل إليه من قبل، ولذلك لا يمكن تفسير الآيات الكريمة بشكلٍ حرفيّ؛
بل تفسّر بشكلٍ مُجمل، فإن توقّفنا عند كلّ آية من الآيات فإنّ الناتج سيكون كلاماً منافياً للعقل والحكمة، ولكنّ السّياق والنظرة الكليّة للآيات يعملان وبشكل كبير على إيصال الفكرة القرآنيّة بسهولة وسلاسة ويسر شديدين.
تكرار القصص القرآنيّة

تنفرد القصص القرآنيّة بأسلوبها الشيّق الّذي أصبح دليلاً يهتدي له الأدباء، وهذا سهّل على الناس أخذ العبرة والعظمة منها، ولكن يجب الانتباه إلى أمر هام وهو أنّه ومع تفرّد القصص القرآنيّة بهذا
الأسلوب الجميل فإنّ الهدف الأساسي لقراءة القصص القرآني هو العبرة والدرس؛ فالله تعالى أخبرنا بهذه القصص تحديداً ولم يخبرنا بباقي القصص مع إيماننا واقتناعنا التامّين بوجود غيرها الكثير
ممّا لا يعد ولا يُحصى، وحتّى في القصة الواحدة نجد أنّ الله تعالى لم يخبرنا بتفاصيل معيّنة وأخبرنا بتفاصيل أخرى، كلّ هذا هو للعبرة؛ فالله تعالى لم يخبرنا بما لا جدوى منه، ولكن هذا
الأمر لا يعني مطلقاً أن نأخذ بظواهر الآيات فقط؛ بل يتوجّب علينا أن نُعمل عقولنا في تحليلها بناءً على الدلالة اللغويّة وقواعد اللغة العربيّة، والرّبط بين القصص القرآنيّة وبين العلوم المختلفة
وخاصّةً علمي التّاريخ والآثار؛لأنّ ذلك سيجعلنا أكثر قدرة على أن نفهم الآيات القرآنيّة بشكل أوضح وأعمق وبشكل يجعلنا لا نشكّ مطلقاً أنّ الله تعالى قد أنزل آيتين بشكلٍ متكرّر – حاشاه – ،
فكلّ آية من آيات القصص القرآنيّة تحمل عبرةً مختلفة عن الأخرى، وكلّ حرفٍ قد يؤدّي معنىً مختلفاً عن الآخر.

أهمية القصص في القرآن والحكمة من تكرارها

القصص والقص لغة : تتبع الأثر .
وفي الاصطلاح : الإخبار عن قضية ذات مراحل ، يتبع بعضها بعضا .
وقصص القرآن أصدق القصص ؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً)(النساء: الآية87) وذلك لتمام مطابقتها على الواقع

وأحسن القصص لقوله تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآن)

(يوسف: الآية 3) وذلك لاشتمالها على أعلى درجات الكمال في البلاغة وجلال المعنى .
وأنفع القصص ، لقوله تعالى : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَاب)(يوسف: الآية 111) . وذلك لقوة تأثيرها في إصلاح القلوب والأعمال والأخلاق .
وهي ثلاثة أقسام :

*- قسم عن الأنبياء والرسل ، وما جرى لهم مع المؤمنين بهم والكافرين .

* – وقسم عن أفراد وطوائف ، جرى لهم ما فيه عبرة ، فنقلة الله تعالى عنهم ، كقصة مريم ، ولقمان ،

والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ، وذي القرنين ، وقارون ، وأصحاب الكهف ، وأصحاب الفيل ، وأصحاب الأخدود وغير ذلك .

*- وقسم عن حوادث وأقوام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، كقصة غزوة بدر ، وأحد ، والأحزاب ، وبني قريظة ،

وبني النضير ، وزيد بن حارثة ، وأبي لهب ، وغير ذلك .
وللقصص في القرآن حكم كثيرة عظيمة منها :

1- بيان حكمة الله تعالى فيما تضمنته هذه القصص ؛ قوله تعالى : (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ) (القمر:4) (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ) (القمر:5)

2- بيان عدله تعالى بعقوبة المكذبين ؛ لقوله تعالى عن المكذبين : ( وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّك)(هود: الآية 101)

3- بيان فضله تعالى بمثوبة المؤمنين ؛ لقوله تعالى : (إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَر نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر ٍ) (القمر:34-35)
4- تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين له ؛

لقوله تعالى : (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) (فاطر:25) (ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) (فاطر:26) .

5- ترغيب المؤمنين في الإيمان بالثبات عليه والازدياد منه ،

إذ علموا نجاة المؤمنين السابقين، وانتصار من أمروا بالجهاد ، لقوله تعالى : (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)

(الأنبياء:88) وقوله : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)

(الروم:47)
6- تحذير الكافرين من الاستمرار في كفرهم ، لقوله تعالى : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) (محمد:10) .

7- إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم فإن أخبار الأمم السابقة لا يعلمها إلا الله عز وجل ، لقوله تعالى: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ

مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) (هود:49) وقوله: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ

قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ )(إبراهيم: الآية 9) .

التكرار والقصص في القرآن

الحمد لله الذي تقدَّس عن الأشباه ذاتُه، وتنزَّه عن سمات الحدوث صفاتُه، ودلت على وجوده وقِدمه مخلوقاتُه، وشهدت بربوبيته وألوهيته مصنوعاتُه، وأقرَّت بالافتقار إليه بريَّاتُه، وأذعنت لعظَمته
وحكمتِه مبتدَعاتُه، سبحانه من إلهٍ تحيرت العقولُ في بديع حكمته، وخضعت الألباب لرفيع عظَمتِه، وذلَّت الجبابرة لعظيم
ويوصِل ويقطع، فلا يُسأَل عما يصنع، كما نطقت به آياتُه، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأسوة الحسنة وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن لتكرار بعض الكلمات، وكذلك القصص في القرآن الكريم، فوائدَ كثيرةً، فأقول وبالله تعالى التوفيق:

بسم الله الرحمن الرحيم

معنى التكرار:

التكرار: هو مصدر كرَّر إذا ردَّد وأعاد؛ (البرهان في علوم القرآن للزركشي جـ 3 صـ 8).

تارةً يكون التكرار مرتين؛ كقوله: ﴿ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ [المدثر: 19، 20]،وقوله: ﴿ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ﴾ [القيامة: 34، 35]، وقوله: ﴿ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ﴾ [التكاثر: 6، 7]، وقوله: ﴿ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴾ [النبأ: 4، 5].

وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ [آل عمران: 78].

وقوله: ﴿ فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ ﴾ [التوبة: 69].

وفائدته العظمى: التقرير، وقد قيل: الكلام إذا تكرَّر تقرَّر.

وقد أخبر الله سبحانه بالسبب الذي لأجله كرَّر القصص والأخبار في القرآن فقال: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [القصص: 51].

وقال: ﴿ وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ﴾ [طه: 113].

وحقيقته: إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنًى؛ خشيةَ تناسي الأول لطول العهد به؛ (البرهان في علوم القرآن للزركشي جـ 3 صـ 10: 9).

فوائد التكرار في القرآن

يمكن أن نوجز فوئدَ التكرار فيما يلي:

الأول: التأكيد:

اعلم أن التكرير أبلغُ من التأكيد؛ لأنه وقع في تكرار التأسيس، وهو أبلغ من التأكيد؛ فإن التأكيد يقرر إرادة معنى الأول وعدم التجوز؛ فلهذا قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ [التكاثر: 3، 4]: إن الثانية تأسيسٌ لا تأكيدٌ؛ لأنه جعل الثانيةَ أبلغَ في الإنشاء فقال: وفي (ثم) تنبيهٌ على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول.

وكذا قوله: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾ [الانفطار: 17، 18]، وقوله: ﴿ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ [المدثر: 19، 20].

وقوله تعالى: ﴿ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 42]، وقوله: ﴿ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ [البقرة: 198].

وكقوله تعالى حكايةً عن موسى: ﴿ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ﴾ [طه: 33، 34]، وقوله: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾ [الرعد: 5] كرَّر: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ [الرعد: 5].

وكذلك قوله: ﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 5]،وكذا قوله: ﴿ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي ﴾ [القصص: 19] إلى قوله: ﴿ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ﴾ [القصص: 19] كُرِّرت ﴿ أَنْ ﴾ [القصص: 19] في أربع مواضعَ تأكيدًا.

وقوله: ﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الزمر: 11، 12].

الثاني: زيادة التنبيه على ما ينفي التهمةَ؛ ليكمل تلقي الكلام بالقبول، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ ﴾ [غافر: 38، 39]، فإنه كرر فيه النداء لذلك.

الثالث: إذا طال الكلام، وخشي تناسي الأول، أعيد ثانيًا؛ تجديدًا لعهده؛ كقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النحل: 119].

وقوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ﴾ [النحل: 110].

وقوله: ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 89]، ثم قال: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا ﴾ [البقرة: 89]، فهذا تكرارٌ للأول، ألا ترى أن ﴿ لَمَّا ﴾ [البقرة: 89] لا تجيء بالفاء!

ومثله: ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ ﴾ [آل عمران: 188]، ثم قال: ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ ﴾ [آل عمران: 188].

وقوله: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ [البقرة: 253]، ثم قال: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا ﴾ [البقرة: 253].

ومنه قوله: ﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾ [يوسف: 4].

وقوله: ﴿ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ﴾ [المؤمنون: 35]، فقوله: ﴿ أَنَّكُمْ ﴾ [المؤمنون: 35] الثاني بناءٌ على الأول؛ إذكارًا به؛ خشيةَ تناسِيهِ.

وقوله: ﴿ وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ [الروم: 7].

الرابع: في مقام التعظيم والتهويل؛ كقوله تعالى: ﴿ الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ ﴾ [الحاقة: 1، 2]، ﴿ الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ ﴾ [القارعة: 1، 2]، ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴾ [القدر: 1، 2].

وقوله: ﴿ وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ ﴾ [الواقعة: 27].

وقوله: ﴿ فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ﴾ [الواقعة: 8، 9].

وقوله: ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ [المدثر: 31].

الخامس: في مقام الوعيد والتهديد؛ كقوله تعالى: ﴿ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ [التكاثر: 3، 4]، وذكر

“ثم” في المكرر دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغُ من الأول، وفيه تنبيهٌ على تكرر ذلك مرةً بعد أخرى، وإن تعاقبت عليه الأزمنة لا يتطرق إليه تغييرٌ، بل هو مستمر دائمًا.

السادس: التعجُّب؛ كقوله تعالى: ﴿ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ [المدثر: 19، 20]، فأعيد تعجبًا من تقديره وإصابته الغرض على حدِّ: قاتَلَه الله ما أشجَعَه!

السابع: لتعدُّد المتعلق؛ كما في قوله تعالى: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [الرحمن: 13] فإنها وإن تعددت فكل واحدٍ منها متعلقٌ

بما قبله، وإن الله تعالى خاطب بها الثَّقَلينِ من الإنس والجن،

وعدَّد عليهم نِعَمَه التي خلقها لهم، فكلما ذكر فصلًا من فصول النِّعم، طلب إقرارَهم، واقتضاهم الشكر عليه،

وهي أنواعٌ مختلفةٌ، وصورٌ شتَّى؛ (البرهان في علوم القرآن للزركشي جـ 3 صـ 18: 11).

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *