التخطي إلى المحتوى

أفادت وكالة أنباء “سونا” أن السودان جدد شكواه إلى مجلس الأمن بشأن مثلث “حلايب وشلاتين”، المتنازع عليه مع مصر.

ووفق “سونا”، طلب المندوب السوداني الدائم لدى الأمم المتحدة عمر دهب من رئيس مجلس الأمن توزيع خطاب السودان على أعضاء المجلس باعتباره وثيقة.

وأبرز البيان، أن “السودان ظل يجدد هذه الشكوى منذ العام 1958 في ظل رفض الجانب المصري للتفاوض أو التحكيم الدولي بشأن مثلث حلايب”.

وكان صرح سامح شكري، وزير الخارجية المصري، أن السودان من أهم الدول بالنسبة إلى مصر، مضيفًا أن وزارة الخارجية لديها إدارة معنية خصيصًا بالسودان نظرًا لأهميتها.

وجاء ذلك تعليقًا على إعلان السودان، الخميس الماضي، سحب سفيرها بالقاهرة، للتشاور دون إبداء السبب أو مدة بقائه في الخرطوم.

وكان المتحدث باسم الخارجية المصرية قد أكد أنه “تم إخطار السفارة المصرية في الخرطوم يوم 4 يناير الجاري رسمياً بقرار استدعاء سفير السودان في القاهرة إلى الخرطوم للتشاور وأن مصر الآن تقوم بتقييم الموقف بشكل متكامل لاتخاذ الإجراء المناسب”.

وتشهد العلاقات بين السودان ومصر توتراً، ومشاحنات في وسائل الإعلام، على خلفية عدة قضايا خلافية، أهمها النزاع حول المثلث الحدودي في حلايب وشلاتين المستمر منذ سنوات.

قضية حلايب ظلت تراوح مكانها، منذ احتلالها من قبل الجيش المصري عقب محاولة الاغتيال الفاشلة للرئيس المخلوع حسني مبارك، وظل السودان يجدد شكواه ضد مصر للأمم المتحدة كل عام، ودعت الحكومة السودانية في 17 أبريل الماضي مصر للجلوس للتفاوض المباشر لحل قضية منطقتى حلايب وشلاتين ، أسوة بما تم مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية حول جزيرتى تيران وصنافير، أو اللجوء إلى التحكيم الدولي امتثالاً للقوانين والمواثيق الدولية، باعتباره الفيصل لمثل هذه الحالات، كما حدث في إعادة طابا للسيادة المصرية. “الجريدة” حاورت الخبير الاستراتيجي الدكتور عمر فضل الله وطرحت عليه أسئلة عديدة عن ملف قضية حلايب، فإلى ما جاء فيها:

حلايب اسم بجاوي صرف وكانت تعرف بـ “عتباي”
مصر لم تجر أي انتخابات في منطقة حلايب

بصفتك خبير كيف اكتسبت الخبرة الكبيرة في قضية حلايب؟
كنت عضواً في لجنة الحدود السودانية منذ عام 1991 وحتى عام 1994 ممثلاً لمركز الدراسات الاستراتيجية ثم ممثلاً للمركز القومي للمعلومات حيث كانت اللجنة تضم ممثلين للوزارات والمراكز والجهات المختصة كما كنت عضواً للجنة السودانية المصرية المشتركة لحل مشكلة حلايب وشلاتين برئاسة المرحوم اللواء الزبير محمد صالح والتي عقدت اجتماعين أحدهما في الخرطوم (مارس 1992) والآخر في القاهرة (أكتوبر 1992) كما كنت عضواً في لجنة الوثائق الخاصة بمشكلة حلايب والتي كانت تضم ممثلين لوزارة الخارجية ووزارة الداخلية (الإدارة العامة للحدود)
من أين تأتي الوثائق التي يستند عليها السودان في ملكيته لمنطقة حلايب؟
الوثائق موجودة في مصلحة المساحة ومركز الدراسات الاستراتيجية ودار الوثائق القومية ومصلحة الآثار وجامعة الخرطوم وكلية السودان الجامعية وديوان النائب العام وجهاز الأمن العام والاستخبارات العسكرية وهيئة الأركان العامة ووزارة المالية والتخطيط. بالإضافة إلى أن لجان التفاوض كانت تحتفظ بأرشيف ووثائق المفاوضات بالمكتبة الخاصة التي أنشأتها بمركز الدراسات الاستراتيجية عام 1992 وقد عقد المركز عدداً من الاجتماعات التحضيرية للجان التفاوض مستعيناً بتلك الوثائق.
جمعت عدداً كبيراً من الوثائق المتاحة بدار الوثائق المصرية والمكتبات العامة بالإضافة إلى دار الوثائق القومية السودانية ومكتبة جامعة درم ببريطانيا ومكتبة الكونجرس الأمريكي وغيرها من مظان الوثائق التاريخية المتعلقة بالسودان، حيث أنني اعتدت حين أزور هذه المكتبات أن أبحث عن الوثائق والخرائط والمعلومات المتعلقة بالسودان، وأحتفظ بقاعدة بيانات عناوينها، أو أقوم بالحصول على نسخ منها. بالإضافة إلى طبيعة عملي في المجالين المعلوماتي والتخطيط الاستراتيجي تتيحان لي ما لا يتاح لغيري من الوثائق والمعلومات والتقارير الخاصة.
لماذا سميت حلايب بهذا الاسم وماهي المجموعات السكانية التي تسكنها وتاريخهم؟
حلايب اسم بجاوي صرف فقد اتخذت حلايب أسماء متعددة حيث كانت تسمى أحياناً عِلَىْ أو إِلَىْ “Elai” كما كانت تعرف في السابق باسم عتباي. وتسكنها قبيلة البشاريين ومن البشاريين يسكنها الحَمَدْ أورابْ “”Hamad-Owrab والشانتيراب “Shantirab” ويلاحظ هنا إضافة المقطع البجاوي (اب) الذي يدل على النسبة، وهي أراضي البشارين التي تمتد من منطقة حلايب وأبورماد وشلاتين في أقصى شمال شرق السودان متجهة إلى الجنوب الغربي حتى نهر عطبرة، حيث نظارة البشارين في بعلوك منذ القرون الماضية، ومنهم الناظر أحمد كرار الذي كان يقيم في بعلوك. ومثلث حلايب موضوع النزاع الحالي هو المنطقة الواقعة شمالا من خط عرض 22 درجة شمال حلايب وحتى الحدود السودانية مع مصر عند شلاتين والذي يتبع إدارياً إلى ولاية البحر الأحمر، وتبلغ مساحته 500ر18 كيلو متر ويتراوح عدد سكان المنطقة مابين 7 ألف و 9 ألف نسمة وهم من الأمرأر والبشاريين ومجموعة البشاريين هي السائدة في المثلث شمال حلايب وتتحرك تبعاً للرعي خلال فترة أمطار الشتاء وينقسمون إلى مجموعتين رئيسيتين أم علي وأم ناجي والأولى هي السائدة على السهل الساحلي وهضبة البحر الأحمر بينما تنتشر مجموعة أم ناجي من السفوح الغربية للهضبة وحتى نهر عطبرة جنوبا.
وفي شمال حلايب يقع جبل عَلْبَة Alba وهو أحد جبال البشاريين وقد شهد تغول المنجمين المصريين منذ القديم مع أنه جبل سوداني وذلك لكون هذه الجبال غنية جداً بمناجم الذهب والرخام والمايكا والمنجنيز بالإضافة إلى أن المنطقة تقبع فوق بحيرة من البترول والغاز الطبيعي.

هل كانت حلايب في العهود الثلاثة التركي والمهدوي والإنجليزي تابعة لمصر؟

لم تكن حلايب في العهود الثلاثة التركي والمهدوي والإنجليزي المصري تابعة لمصر ولا كانت تدار من مصر. ففي عهد المهدية استولى عليها الخليفة عبد الله التعايشي وولى عليها الخليفة عبد الله الأمير الحسن الحاج سعد العبادي على عتباي. وبقيت حلايب تحت إمرته إلى أن وصلت المدمرة البريطانية وأطلقت مدافعها على الأنصار واعيد احتلال المنطقة بواسطة الانجليز في 12 مارس 1889. وأصبح المحافظ هو هولد سميث باشا والصاغ جاكسون الذي اعاد ترميم قلعة حلايب.
يتحدثون عن أن المشكلة بدأت منذ بداية الاستعمار الانجليزي المصري للسودان؟
بعد عشر سنوات من الاحتلال البريطاني للسودان أبرم اتفاق بين اللورد كرومر المندوب السامي البريطاني في مصر وبطرس غالي رئيس مجلس الوزراء كان ينص على أن خط العرض 22 هو الحد الفاصل بين السودان ومصر، وكان عملاً تعسفياً غير مدروس ولم يشرك فيه الجانب السوداني، لكن سرعان ما تم تعديل هذا الاتفاق بعد تسعين يوماً فقط حين تبين أن خط عرض 22 سوف يفصل قبيلة البشاريين إلى قسمين شماله وجنوبه، فتم التعديل بعد ثلاثة أشهر فقط ليكون الوضع أكثر ملاءمة مع الواقع حين تبين أن التقسيم قد فصل بين أفراد القبيلة الواحدة في المنطقة إلى شطرين.
ماهي الانتقادات التي وجهت لترسيم الحدود؟
أنه قسم منطقة النوبة ذات الطبيعة الواحدة إلى قسمين ليتبع كل قسم لإدارة منفصلة، وفصل قبيلة البشاريين السودانية عن السودان وكذلك أجزاء من قبيلة العبابدة المصرية عن مصر، ولهذا السبب احتاج للتعديل بعد مضي ثلاثة أشهر فقط من توقيعه ليكون الوضع أكثر ملاءمة مع الوضع المحلي.

هل طالبت مصر بحلايب عقب إعادة ترسيم الحدود؟

من المعلوم أن الحدود بين الدول لا ترسم وفقاً لخطوط العرض وخطوط الطول لولا أن منطقة الحدود كانت صحراوية أصلاً وخط العرض 22 يمر شمال وادي حلفا وجنوب قريتي دبيرة وإشكيت اللذين لم تطالب مصر بهما، كما أن الخط نفسه يمر جنوب مثلث حلايب ولم تطالب مصر بحلايب وأبو رماد وشلاتين بعد ذلك الإتفاق، بل ظل المثلث تابعاً لمركز سنكات الذي يمتد من شلاتين حتى أم شديدة المرغوماب شرق شندي وبعد إلغاء المراكز وقيام المجالس الريفية أصبحت منطقة حلايب تتبع لريفي بورتسودان .
كانت حلايب حاضرة في كل العمليات الانتخابية السودانية ما عدا الأخيرتين، هل أجرت مصر انتخابات في منطقة حلايب؟
لم يحدث إطلاقاً أن أجرت مصر إنتخابات في منطقة حلايب منذ بداية الحكم الدستوري فيها منذ عام 1922 وحتى إحتلالها في عهد الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في تسعينيات القرن الماضي. أما حكومة السودان فقد أجرت فيها كل الإنتخابات بعد إتفاقية الحكم الذاتي في فبراير 1953 ففي الإنتخابات الأولى كانت دائرة حلايب تسمى الأمرأر والبشاريين وتشمل كل ريف بورتسودان وفاز فيها محمد كرار كجر من الأمرأر وفي الإنتخابات الثانية عام 1958 أصبح للأمرأر دائرة وللبشاريين دائرة وفاز بدائرة البشارين في حلايب حامد كرار شيخ خط عتباي .وفي إنتخابات 1965 في الديمقراطية الثانية سميت دائرة عتباي وفاز فيها محمد عثمان الحاج تيتة وفي إنتخابات 1968 سميت الدائرة 176 حلايب وفاز بها محمد عثمان الحاج تيتة وفي إنتخابات 1986 في الديمقراطية الثالثة سميت أيضا الدائرة 176 حلايب وفاز بها عيسى أحمد الحاج ، وحتى ذلك التاريخ لم يكن هناك أي وجود أو نفوذ مصري حتى قيام النظام المصري باحتلالها في أوائل التسعينيات بحجة أن الرئيس المصري تعرض لمحاولة إغتيال فاشلة في مطار أديس أبابا، إتهم المخابرات السودانية بتدبيرها فجاء الإحتلال المصري احتلالاً إستيطانيا أقام المنشآت وفتح الهجرة للمصريين لتغيير الوضع الديمقرافي لحلايب كما هو الواقع حالياً..

كيف بدأ الخلاف حول منطقة حلايب؟

في الفترة التركية كانت كل من منطقة النتوء وحلايب تابعتين للإدارة السودانية وكذلك خلال فترة المهدية وحتى تاريخ الغزو البريطاني كما قدمنا أعلاه . وكانت حدود السودان في القديم تعتبر (تخوماً) كغيرها من الحدود في افريقيا ومتسمة بعدم دقة التحديد والتعيين وعدم اكتمال التخطيط ويعزى ذلك لعدم معرفة واضعي هذه الحدود بها لطول الحدود وطبيعة الأرض وتداخل القبائل فالسودان كان يعرف عند الغزو الإنجليزي بأنه الأراضي التي تقع إلى الجنوب من خط عرض 22 درجة في محاولة لحصرالأراضي السودانية لأغراض الإدارة الجديدة. ولأن هذا التعريف فصل بعض الأراضي والقبائل السودانية من السودان فقد تم تكوين لجنتين مشتركتين في الفترة من 1899م – 1902م لتضع توصياتها بحيث يكون الوضع أكثر ملاءمة لما كان عليه الحال قبل الغزو. وفي 19 يناير 1899م تم تكوين لجنة وفاق مشتركة بين بريطانيا ومصر عرفت الأراضي السودانية بأنها الأراضي الواقعة جنوب خط عرض 22 درجة شمال ثم اضطرت لتعديل هذا القرار الذي لم يبن على دراسة للمنطقة لكونه فصل بين القبيلة الواحدة في كل من السودان (البشاريين) ومصر(العبابدة) فتم تكوين لجنة مشتركة من السودان ومصر وهي التي أوصت بإعادة المنطقة من وادي حلفا وحتى ادندان وفرص شمالا للسودان. وعلى ضوء التوصية أصدر وزير الداخلية المصرية فــي 26 مــارس 1899م الأمر الذي أعاد المثلث للسودان والذي جاء فيه “أنه تنفيذا للوفاق اعتبرت بموجبه شريحة الأراضي المقتطعة”. الخ كما صدر أمر وزير الداخلية المصرية في نوفمبر 1902م بعد معالجة اللجنة والأمر أعلاه للوضع في منطقة نتوء وادي حلفا تم الإتفاق على تكوين لجنة مشتركة لتضع توصياتها بحيث تضع قبائل البشاريين السودانية تحت الإدارة السودانية كما كان الوضع قبل وفاق 1899م والقبائل المصرية تحت الإدارة المصرية، وقد رفعت اللجنة توصياتها وأصدرها وزير الداخلية المصري بالأمر أعلاه وهو الأمر الذي أعيدت بموجبه إدارة منطقة حلايب حتى شلاتين إلى السودان أى كما كان الوضع قبل وفاق 1899م.
وبذلك تحددت الحدود بين مصر والسودان بموجب وفاق يناير 1899م المعدل بموجب أوامر وزير الداخلية المصري في مارس 1899م ونوفمبر 1902م كما سبقت الإشارة إلا أنه لا الوفاق ولا الأوامر لم تشر للمنطقة من جبل بعرتزقو وحتى كورسكو على النيل، وعليه وبعد عدة مكاتبات بين المخابرات العسكرية ومصلحة المساحة في الفترة بين 1907م و1909م تمت الموافقة على اعتبار تلك المنطقة (من الجبل وحتى بعرتزقو) من توابع مصر. وبهذا صارت الحدود النهائية بين السودان ومصر يحكمها وفاق 1899م المعدل بموجب أوامر وزير الداخلية المصري ومكاتبات المخابرات العسكرية.
وبعد أن تحددت الحدود بين السودان ومصر على الوجه أعلاه استمر السودان في إدارة المنطقتين خلال الفترة من 1899م –وحتى 1952م وكانت الإدارة مستمرة ومستقرة وهادئة ودون نزاع من أي جهة ، فقبائل البشاريين تتبع لنظارة البشاريين التابعة لمديرية بربر والتي نقلت في وقت لاحق لمديرية كسلا مجلس ريفي الأمرأر والبشاريين وكانت مظاهر السيادة مكتملة في الإدارة والقضاء وبسط الأمن.
وفي الفترة من 1952م – 1954م تمت إجازة قانون الحكم الذاتي للسودان الذي وضعته لجنة اشترك فيها مندوب عن مصر. كما تم فيها إجراء الإنتخابات السودانية على ضوء لائحة الحكم الذاتي بإشراف لجنة مثلت فيها مصر أيضا واستمرار الإدارة السودانية للمنطقتين دون انقطاع كما شملهما التعداد السكاني(السوداني) الأول الذي أجرى في عام 55/1956م.
وعند إعلان السودان لاستقلاله في أول يناير 1956م جاء في وثيقة الإستقلال أن السودان أصبح حراً مستقلاً بحدوده المعلومة عندما كان يسمى (السودان الإنجليزي المصري) وكانت الحدود عند الإستقلال محكومة بوفاق 1899م والتعديلات اللاحقة (أوامر وزير الداخلية المصري ومكاتبات الإستخبارات(. والتي اعتبرت منطقة حلايب وشلاتين جزءا من الأراضي السودانية وتابعة لها إدارياً.
هذا وقد تم اعتراف كل من مصر وبريطانيا بهذا الإستقلال، ولم تتحفظ مصر على ما ورد بوثيقة الإستقلال بل أشارت فقط إلى احترام الإتفاقيات التي عقدت بالنيابة عن السودان، وقد ظل السودان يراعي ذلك في كل سياساته.

متى بدأت مصر تطالب بإعادة مثلث حلايب لها؟

حين شرع السودان في اجراءت الانتخابات العامة في 1958م تقدمت مصر بمذكرة للحكومة السودانية تطلب فيها إعادة منطقتي نتوء وادي حلفا وحلايب بحسبانها من توابع مصر في مقابل إعادة منطقة تقع جنوب خط عرض 22 درجة شمال وتطور الأمر عندما ذكرت مصر أنها تود أن تجري استفتاء لمواطني المنطقة على رئاسة الجمهورية العربية المتحدة – علماً بأن المواطنين بشاريون سودانيون، وتبع ذلك إرسال قوات مصرية للمنطقة الأمر الذي دفع السودان دفعاً لرفع شكواه لمجلس الأمن بعد أن استنفد كل الوسائل الأخرى.
حاول السودان بشتى الوسائل إيقاف التدخل المصري في المنطقة بحسبانه تدخلاً في الشئون الداخلية للسودان عن طريق استدعاء السفير المصري في السودان وإبلاغه بالمعلومات المتوفرة عن التدخل المصري – والذي نفاه بدوره – وعن طريق إيفاد وزير الخارجية السودانية لمصر، وعن طريق الإتصال الهاتفي بالقيادة المصرية وعن طريق إبلاغ جامعة الدول العربية.
وماذا فعلت حكومة السودان بعد فشل محاولاتها لإبعاد مصر من حلايب؟
رفع السودان شكواه لمجلس الأمن الدولي الذى قبل الشكوى وحدد موعداً لمناقشتها وعقد جلسة استمع فيها لشكوى السودان وتعليقات الأعضاء والتي جاءت في معظمها مؤيدة للموقف السوداني ثم استمع إلى رد مصر والذي طلبت فيه تجميد الموقف على ما كان عليه بعد أن سحبت قواتها على أن ينظر في الحل بعد إجراء الإنتخابات السودانية التي كان محددا لها 21 فبراير 1958م وبالفعل أجريت الإنتخابات الأولى وكانت منطقتا نتوء وادي حلفا وحلايب ضمن الدوائر الإنتخابية السودانية ثم أجريت انتخابات في المنطقة بعد ذلك وسكتت مصر سكوتاً كاملا حتى عام 1991.

في ظل احتلال مصر لحلايب وصمت السودان ماهو الحل؟

أعتقد أن الحل يكمن في إعادة النظر في استراتيجية السودان تجاه مصر جملة وتفصيلاً. فالسودانيون ظلوا ولفترات طويلة ينتهجون سياسة خاطئة تجاه الحكومات والأنظمة في مصر وفي تقديري أنها سياسات خاطئة مبنية على تقديرات خاطئة ويجب إعادة النظر فيها فالحكومة المصرية، انتهجت منذ زمن طويل، ربما منذ أكثر من قرنين من الزمان، أو قل منذ العهد الخديوي استراتيجية إزاء السودان (تكادُ) تكون ثابتة. وهذه الإستراتيجية مبنية على مبررات كثيرة. بعضها مبررات إقتصادية، وبعضها مبررات ديموغرافية، وبعضها مبررات أمنية، وبعضها مبررات نابعة من أيديولوجية وحدوية في بعض الأحيان.

هل هناك هدف وراء إحتلال مصر لحلايب؟
الحكومة المصرية تريد في الواقع أن يكون النظام السياسي في السودان أو الحكومة في السودان، رديفاً تابعاً للنظام المصري بصورة من صور التبعية، إما تبعية أيدولوجية، أو تبعية ثقافية، أو تبعية إقتصادية. وإذا تعذرت التبعية الكاملة لأي سبب من الأسباب فإن الحكومة المصرية تريد أيضا أن ينزلق السودان في حالة من الإضطراب السياسي والإقتصادي، وعدم الإستقرار الأمني فيكون في حالة إعياء سياسي مستمر لا يستطيع أن يقدم ولا يؤخر في قراراته وفي وجهته وفي استراتيجياته ولا يستطيع حتى أن يرسم استراتيجياته. إذا تعذر هذا الخيار فإنها تود أيضاً ـ إذا صار السودان غير تابع وإذا صار مستقراً سياسياً فإنها تود أن يكون الخيار الثالث أن يبقى السودان معزولاً، فلا يجد جهة يتحالف معها، خاصة إذا كانت هذه الجهة غير مرضي عنها من مصر. هذه ثلاثة مؤشرات تكاد تصبح قواعد ثابتة في السياسة المصرية، منذ عهد الخديوي، حتى عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي. ومن الواضح أن قرار مصر احتلال المنطقة جاء في هذا الإطار كعمل تأديبي للسودان فمصر أرادت أن تبعث برسالة للسودان مفادها أن مصر ستفعل ما تريد في الأراضي السودانية ولن يجرؤ السودان على الدخول في مواجهة مع مصر وبذلك مضت مصر في تكريس الأمر الواقع وشجعها على ذلك أن المنطقة غنية جداً بالذهب والمعادن والبترول.
يتحدث بعض المراقبين ان مصر حاولت جر السودان لمواجهات حدودية؟
صحيح كانت مصر تحاول جر السودان لمواجهات حدودية يمكن تطويرها في ذلك الوقت لمواجهات أكبر فمصر التي كانت هي الحليف الأكبر للولايات المتحدة في المنطقة فشلت في التكهن بالأحداث التي حدثت أيام مجيء الإنقاذ فصنفتها كحليف لها في المنطقة وأن العسكريين الذين جاءوا للحكم هم من الموالين لها وربما كانت مصر تتوقع انقلاباً عسكرياً في السودان من حلفائها في تلك الأيام وهذا التصنيف الخاطيء أدى إلى إسراع الولايات المتحدة للاعتراف بالنظام الجديد في يونيو 1989.
وللمزيد زوروا موقعنا “لحظات”

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *